العيني

207

عمدة القاري

ولا شك أن الماء مبارك فيه : فلذلك قال جابر في حديث الباب : فعلمت أنه بركة ، ومنه قول أيوب ، عليه السلام : لا غنى لي عن بركتك ، فسمى الذهب بركة ، وذلك فيما رواه أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينما أيوب يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب ، فجعل أيوب يحثي في ثوبه ، فناداه ربه عز وجل : يا أيوب ! ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال : بلى يا رب ، ولكن لا غنى لي عن بركتك . 5639 حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا جَرِيرٌ عن الأعْمَشِ قال : حدّثني سالِمُ بنُ أبي الجَعْدِ عنْ جابِرِ بن عبْدِ الله ، رضي الله عنهما ، هاذَا الحَدِيثَ قال : قَدْ رَأيْتُنِي مَعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقَدْ حَضَرَتِ العَصْرُ ولَيْسَ مَعَنا ماءٌ غَيْر فَضْلَةٍ ، فَجُعِلَ في إناءٍ فأُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، بِهِ فأدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وفَرَّجَ أصابِعَهُ ثُمَّ قال : حيَّ عَلى أهْلِ الوَضُوءِ ! البَرَكَةُ مِنَ الله ، فَلَقَدْ رأيْتُ الماءَ يتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أصابِعهِ فَتَوَضَّأ النَّاسُ وشَرِبُوا ، فَجَعَلْتُ لا آلُوا ما جَعَلْتُ في بَطْنِي مِنْهُ ، فَعَلِمْتُ أنَّهُ بَرَكَةٌ . قُلْتُ لِجابِرٍ : كمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ ؟ قال : ألْفاً وأرْبَعَمِائَةٍ . مطابقته للترجمة في قوله : ( فعلمت أنه بركة ) ويمكن أن يجل قوله : ( البركة من الله ) مطابقاً للجزء الثاني للترجمة ، وهو قوله : ( والماء المبارك ) . وجرير هو ابن عبد الحميد ، والأعمش هو سليمان . والحديث قد مر في علامات النبوة من رواية حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر . قوله : ( هذا الحديث ) أشار به إلى الذي بعده . قوله : ( قد رأيتني ) أي : قد رأيت نفسي ، وهذا يعد من باب التجريد . قوله : ( وقد حضرت العصر ) أي : صلاة العصر ، وكان ذلك في الحديبية . قوله : ( غير فضلة ) ، الفضلة ما فضل من الشيء . قوله : ( فأتي ) على صيغة المجهول . قوله : ( حي على أهل الوضوء ) هكذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية النسفي : حي على الوضوء ، بإسقاط لفظ : أهل ، وهذه أصوب ، ووجه الأول أن : حي ، معناه : أسرعوا ، وأهل الوضوء منصوب على النداء ، وحذف منه حرف النداء . وقال بعضهم : كأنه قال : حي على الوضوء المبارك يا أهل الوضوء . قلت : ليس كذلك ، بل تقديره : حي علي ، بتشديد الياء يعني : أسرعوا إلي يا أهل الوضوء ، وهو بفتح الواو اسم لما يتوضأ به . قوله : ( يتفجر ) من التفجر ، وهو التفتح بالسعة والكثرة . قوله : ( من بين أصابعه ) يحتمل أن يكون الانفجار من نفس الأصابع ينبع منها وأن يخرج من بين الأصابع لا من نفسها ، وعلى كل تقدير فالكل معجزة عظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . والأول أقوى لأنه من اللحم . قوله : ( لا آلو ) أي : لا أقصر في الاستكثار من شربه ، ولا أفتر فيما أقدر أن أجعله في بطني من ذلك الماء . وفيه : من الفقه : أن الإسراف في الطعام والشراب مكروه إلا الأشياء التي أرى الله فيها بركة غير معهودة ، وأنه لا بأس بالاستكثار منها وليس في ذلك سرف ولا استكثار ولا كراهية . قوله : ( قلت لجابر ) القائل هو سالم بن أبي الجعد . قوله : ( ألفاً وأربعمائة ) بالنصب على أنه خبر : كان ، والتقدير : كنا ألفاً وأربعمائة ، وعند الأكثرين : ألف وأربعمائة ، بالرفع تقديره : نحن يومئذٍ ألف وأربعمائة ، فيكون ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وقد مر الكلام على الاختلاف على جابر في عددهم يوم الحديبية . * ( بسم الله الرحمان الرحيم ) * 75 ( ( كتابُ المَرْضَى ) ) أي : هذا كتاب في بيان أحوال المرضى ، وهو جمع مريض ، والمرض خروج الجسم عن المجرى الطبيعي ، ويعبر عنه بأنه حالة أو ملكة تصدر بها الأفعال عن الموضوع لها غير سليمة ، وقدم ابن بطال عليه : كتاب الأيمان والنذور ، وذكره بعد كتاب الأدب . 1 ( ( بابُ ما جاءَ في كَفَّارةِ المَرَض ) ) أي : هذا باب في بيان ما جاء من الأخبار في كفارة المرض ، والكفارة صيغة المبالغة من الكفر ، وهو التغطية قيل : المرض ليس له كفارة بل هو كفارة للغير . وأجيب بأن الإضافة بيانية ، نحو : شجر الأراك ، أي : كفارة هي مرض أو الإضافة بمعنى : في ، فكان